علي بن عطية الهيتي ( شيخ علوان )

194

نسمات الأسحار

على الربوبية . ثم اعلم أن المراد من قوله : فَاسْعَوْا [ الجمعة : 9 ] سعى القلب لا سعى البدن فإذا لم يحصل السعي بالقلب فلا عبرة بحضور الجسد والصورة كما أنه لا عبرة بوقوع السيئات من غير قصد فإنها مغفورة وتدبر كيف قال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [ الجمعة : 9 ] فخاطبنا من غير واسطة أحد وقال : قُلْ * أي يا محمد : لِلَّذِينَ هادُوا الآية ، فإني لا أخاطب من تهود وجحد وكيف أكلمهم وهم أعدائي إنما أخاطب أمتك الموحدين لأنهم أوليائي فالأولياء في الدنيا من أهل الكلام ، وفي العقبى من أهل السلام فسيسمعون غدا في جنات النعيم قوله جل جلاله : سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ [ يس : 58 ] سبحان اللّه لما أدخل اليهود مع الباري جل وعلا بكفرهم الوسائط خوطبوا بالوسائط وأما المؤمنون فأسقطوا بالتوحيد الواسطة فخطبوا بلا واسطة . قال بعض أهل الإشارة في قصر الجمعة إلى ركعتين كأنه تعالى يقول : إن كنت تعبدتكم بالأمر بالسعي إلى الجامع فقد أسقطت عنكم ركعتين لتعلموا أنى أريد بكم اليسر ولا أريد بكم العسر ، وإذا لم أرد بكم العسر بالعبادة في الدنيا فكيف أريد بكم العسر في العقبى وتدبر كيف ذكرك بالأمر بالسعي إلى الجمعة السعي إلى الحساب فإذا نودي للصلاة فتذكر نفخ الصور لإعلام أهل القبور بالخروج إلى النشور ، وإذا رأيت الصفوف فتذكر صفوف العباد ، وإذا رأيت المنبر فتذكر مراتب الأنبياء والأصفياء والعباد وانظر إلى السابقين فهم أقرب الناس إلى الإمام وكذلك القرب غدا من الملك العلام إلى غير ذلك من لطائف الأسرار فلا حول ولا قوة إلا باللّه ما أبعدنا من الاعتبار . [ لكن نسأل اللّه تعالى أن نكون من الذين قالوا : لا ضَيْرَ ، والأخذ بنواصينا إلى الخير ، إن ذلك على اللّه يسير ، وهو على كل شئ قدير ] « 1 » . حكى في أنس المنقطعين : أن رجلا من رستاق سمرقند كان يزوره العلماء والأمراء والأكابر فقيل له : بم بلغت هذه المنزلة ؟ فقال : كنت سمعت أنه من كان في قضاء أوامر اللّه تعالى كفاه اللّه أمر دنياه فلما كان في بعض الأيام حملت حنطة

--> ( 1 ) الزيادة من ( أ ) .